((البعد السياحي للعتبات المقدسة وفرصة التقارب الحضاري))

 

     لا يخفى أن من اهم الثمار والفوائد الناتجة من المورد السياحي هو التلاقح الحضاري

بين أبناء الحضارات المختلفة ,وهم يلتقون في أرض واحدة ولغاية محددة, إذ أن من أهم

سمات المركز العقائدي الذي ينطوي عليه مفهوم الزيارة للعتبات المقدسة عند السائحين

القادمين من خارج البلاد, هو الحيوية والديمومة التي لا تنتهي عن زمان معين ,بل هي

دافع يعمل على تنشيط الواعز والحافز لدى مختلف الجنسيات العربية وغير العربية,

بالتالي فلا يمكن إغفال حقيقة أن من جملة الفرص المهمة التي يجب على القائمين على

قطاع السياحة الدينية في العراق استغلالها وتوظيفها على أحسن وجه هي استثمار فرصة

التناغم الفكري بين مكونات المجتمع العراقي بكل أطيافه وبين المكونات القادمة من خارج

العراق والتي تحمل المنظور الحضاري وتعكس معها الأيدولوجيات الفكرية المتنوعة للبلدان

التي تنتمي اليها, من خلال مجموعة العادات والتقاليد والقيم التي تكون حاضرة, بحضور

ملايين الزوار(السائحين) في كل عام, ولربما يبلغ عدد الزائرين الأجانب في زيارة واحدة

كالزيارة الأربعينية المباركة ــ مثلا ــ أكثر من خمسمائة ألف زائر أجنبي.

     والواقع إن نوعية الهدف واتحاده عند هذه الجموع المليونية الحاضرة عند البقاع

الطاهرة لمن الدواعي المساعدة والمساندة لعملية التبادل الفكري المثمر, ومما يكشف عن

أبعاد ذلك هو التقارب الإجتماعي والعاطفي والديني بين أبناء المجتمع العراقي من جهة

وبين الزائرين من مختلف البلدان من جهة أخرى, حتى إن المتتبع يلمس عن كثب آثار

هذا التقارب من جهة اللغة والعادات والمودة وتبادل الزيارات ,وغير ذلك من سبل التقارب

الإجتماعي الذي يعكس في حقيقته تمازجا حضاريا قلما يجود به مرفقا من مرافق السياحة

في بلدان العالم الأخرى.

     من هنا ينبغي الإستفادة من وجود هذا الخليط الحضاري الأثر الذي يجسده الإختلاف

الجنسي والقومي والمذهبي والفكري لملايين الزائرين, لاسيما خلال مراسيم الزيارات

المليونية, وذلك من خلال:

أولا: تكوين الهيئات والمؤسسات التي تأخذ على عاتقها الإلتقاء بممثلي الوفود القادمة من

الخارج واستثمار هذا اللقاء عبر تبادل الخبرات سواء على الصعيد السياحي أو غيره من

 الأصعدة, ولايمكن تجاهل الجهود المتميزة والحثيثة للعتبتين المقدستين في عقد المؤتمرات

والمهرجانات السنوية والندوات والملتقيات القرآنية التي كانت وما تزال تسعى باتجاه ترويج

الدين وبيان المكانة الإسلامية العالية لمدينة كربلاء المقدسة, وذات الأمر ينطبق على

القائمين على العتبة العلوية والكاظمية المقدستين.

ثانيا: الإستفادة من تجارب البلدان الأخرى في معالجة المشاكل السياسية والإقتصادية

ونحوها, إذ أن وفود الزائرين لا تكاد تخلو ــ بين فترة وأخرى ــ من الخبراء والعلماء ,الذين

يمكن الوقوف على خبراتهم في المجالات العلمية والعملية المختلفة ,ولقد خطت العتبة

الحسينية بهذا الإتجاه خطوات فعالة وناجحة , حيث نجحت باستقطاب كم واسع من

الخبرات المعمارية القادمة من خارج العراق , والتي أبدت هي الأخرى رغبتها في تطوير

المرافق المعمارية التابعة للعتبتين المقدستين, فكان من ثمار ذلك التطور العمراني الواضح

للعتبات المقدسة وملحقاتها كـ(مدينة الزائرين ) و(مجمع سيد الشهداء) وغيرها وفي شتى

 المجالات, وما ذاك إلا من آثار التمازج الفكري والحضاري الذي أنتجته السياحة الدينية في

العراق.

ثالثا: ينبغي الإنتباه الى أنه في الوقت الذي يجب علينا أن نرّكز على ثمرات التواصل

الحضاري الناتج عن صناعة السياحة الدينية في العراق ,فإنه يتطلب منا عدم إغفال بعض

الجوانب السلبية الخطيرة التي قد تترشح عن هذا التواصل, وهنا يأتي دور وزارة السياحة

التي ينبغي أن تكون حاضرة لمعالجة مثل هذه الخروقات التي قد تلقي بضلال سيئة على

عملية التلاقح الفكري ,فتسارع الى تشريع القوانين التي من شأنها إزالة العوائق وإيجاد

الحلول لمثل هذه السلبيات.