((وقـفـة مــع مـفــهــوم الـعـصـمــة))

 

    لقد صرّحت النصوص القرآنية ــ وبشكل جلي ــ في أكثر من موضع ومناسبة على

ضرورة إتباع أهل بيت الوحي(عليم السلام) ؛لأنهم المعصومين من الزلل والخطأ, وأنهم

الإمتداد الطبيعي للرسالة والأقدر على قيادة الأمة بعد النبي(صلى الله عليه وآله), قال

تعالى)) :إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)), وقال سبحانه:

((كونوا مع الصادقين)), وقال جل شأنه:(( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين

يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)) , فيما تظافرت النصوص الحديثية على

التأكيد على هذا المعنى كقوله(صلى الله الله عليه وآله):(( أيها الناس إني تارك فيكم ما

إنْ أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي)),وقوله:(صلى الله عليه وآله):

(( مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من قومه ركبها نجى ومن تخلف عنها

غرق)),وقوله:(صلى الله عليه وآله):(( علي مع الحق والحق مع علي)), وقوله:(صلى

الله عليه وآله):((الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)),الى غير ذلك من الآيات

والروايات التي تؤكد مكانة المعصوم (عليه السلام) في المنظومة العقائدية للفكر

الإسلامي , وأنه المعني بالإتباع والمقصود بالإنصياع.

   هذا مع ما وقع من الإختلاف بين المسلمين بعد وفاة الرسول الأعظم(صلى الله عليه

وآله) والذي تكفل يوم السقيفة بنقل تفاصيله, الحاكية عن الإرهاصات الأولى للإنقلاب

الفكري الذي أفضى الى سلب المنصب السياسي للمعصوم, وتجريده من السلطة التنفيذية

الموكولة له من قبل المولى سبحانه وتعالى بصريح النصوص المارة آنفا, ولقد كان من

نتائج هذا الإنقلاب الخطيرة هو الإرتجال المتعمد على مخالفة النص, وتبني خارطة

طريق غير تلك التي أرادها ورسول الله(صلى الله عليه وآله).

وكيفما يكن الأمر فلم يكن ذلك ليؤثر على المقام الروحي والسامي للمعصوم(عليه

السلام), الذي منحته إياه السماء, وجعلته إماما للمسلمين بالنص والاختيار شأنه في

ذلك شأن النبي(صلى الله عليه وآله), فيبقى على المسلمين وجوب الإعتماد عليه

والرجوع إليه في شؤون الدين والدنيا والآخرة, وهو كما قال الإمام علي (عليه السلام):

(( كالكعبة يُؤتى ولا يأتي)).

من هنا ترى المسلمين عبر التأريخ ــ على مختلف طبقاتهم ــ يلوذون بالمعصوم إذا

داهمتهم الخطوب, وانقطعت دونهم السبل, فقد اشتٌهر عن عمر بن الخطاب قوله في

أكثر من موقف(( لولا علي لهلك عمر))  ,وقول عثمان بن عفان كذلك(( لولا علي لهلك

عثمان)), ولم يكن أمام أهل العراق من سبيل للخلاص من جور بني أمية وظلمهم, سوى

مكاتبة الإمام الحسين(عليه السلام)؛ ليحكم فيهم بحكم الله, وما كان أمام السبط الشهيد

إلا ليلبي, ويضحي بروحه وأرواح أهل بيته وأصحابه في أرض كربلاء إعلاء لكلمة الله

فاكتسب مفهوم الشهادة بذلك معان لايزال المسلمون يستذكرونها ــ مع تقادم الدهر ــ وهم

يطوفون حول تلك القبور المقدسة لتلك الثلة الطاهرة, التي تسابقت على ذهاب الأنفس

في سبيل الله والإنسان.