((مشروع الوحدة عند فقهاء الإمامية))

                                   بسم الله الرحمن الرحيم               

     الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على محمد المصطفى وأهل بيته الطيبين الطاهرين ..

   بعث الله سبحانه مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ؛ ليشرّع لنبي البشر القوانين التي تضمن لهم

سعادة الدارين ؛ولأنّ سعادة المجتمع الإنساني لا تتحقق إلاّ بالأُلفة والمودة والاجتماع ، خلق الله الناس

أُمة واحدة ؛ ليحفظ النوع البشري من الانقراض ، إذْ أن الاختلاف هو الآفة الأكثر خطراً على الوجود

البشري ؛ لذا كان الهدف من بعثة الأنبياء (عليهم السلام) للناس ؛ ليرفع عنهم الاختلاف ويردّهم إلى

وحدة المجتمع، وقد صرّح القرآن في بعض آياته إلى أنّ الناس كانوا في بدء خلقهم أُمة واحدة لا

اختلاف مبهم بين أفرادهم ، ثم ظهرت الاختلافات ,قال سبحانه :] كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ

النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ [؛ ولِذا سعى

القرآن في طائفة واسعة من آياته الكريمة إلى الاعتناء بأمر الاجتماع ولم يجعله موضوعاً مستقلاً

خارجاً عن زاوية الإهمال؛ للخطر الناجم عن التفرق والاختلاف , وأهمية الوحدة والائتلاف؛لأن الجماعة

هي القوة التي تحمي دين الله وتحرس دنيا المسلمين,والنزاع , والخلاف , والفرقة من الأسباب التي

تهدّد الدين , وتنغّص حياة المسلمين , ولا تُخلّف سوى الذلّ , والهوان والفشل , والخسران ؛لذا حذّر

سبحانه وتعالى نبّيه الكريم(صلى الله عليه وآله) بقوله : ] إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ

فِي شَيْءٍ[, وقد كشف الرسول (صلى الله علية وآله ) عن هذه الطائفة بقوله : (( إنّ الذين فرقّوا دينهم

وكانوا شيعاً , أنّهم أصحاب البدعة والأهواء وأصحاب الضلالة من هذه الأمة)) ؛

      ولا يخفى ما فيه من بيان واضح في أنّ الأُمة التي تفارق دينها أقرب ما تكون إلى النزاع ،

والضياع ، وإذا دبَّ النزاع فيها هانت ، وضعفت وأصبحت مرمى الأُمم وبُغيتها تداعى عليها – كما قال

رسول (صلى الله علية وآله ) – (( كما تداعى الأكلة على قصعتها)) ,وقد سار فقهائنا على سمت

ونهج المصطفى(صلى الله عليه وآله), حيث وضع السيد البروجردي (قد) (ت1380هـ) اللبنات الأولى

لمشروع الوحدة بين طوائف المسلمين, حين ابتكر فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية, فتأسست –

أيام زعامته – دار التقريب في مصر,والتي كان لعلماء الشيعة الدور البارز الى جنب إخوانهم من

علماء المذاهب الإسلامية الأخرى, في تفعيل أسباب التوحد والتقارب تماشياً مع فطرة الوجود البشري

الذي كان مبنياً على التوحد بقولــه سبحانه:) كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً (, وتحقيقاً لمراد المولى سبحانه في

لزوم عدم التفرق) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا (, وقد سعى المراجع في الحوزات العلمية

المترامية في أنحاء العالم الإسلامي الى إبقاء جذوة هذا التقريب وقّادة من أجل إذكاء روح الأخوة بين

أبناء المجتمع المسلم من خلال الآراء الفقهية المتناثرة في مؤلفاتهم ,ومما يؤيد ذلك استشهادهم – في

البحث الخارج كالسيد السيستاني– بآراء أئمة الجمهور كمالك والشافعي وأهل المدينة في مسألة ثبوت

الشفعة بدفع الضرر, وغيرها, وهو ما يُعلن بوضوح عن ميلهم الى اعتماد الفقه المقارن كأحد الوسائل

للكشف عن المعنى الفقهي.

       والحق أن ذكْر آراء فقهاء الجمهور, ومقارنتها مع آراء فقهاء الإمامية, وفق أصول البحث

العلمي والموضوعي, المُوصل الى الحقيقة, الكاشف عن الحكم الشرعي الصحيح منهج دأب عليه فقهاء

الإمامية قديماً وحديثاً, لغرض إثراء الساحة العلمية من ناحية, والدعوة – على المستوى النظري – الى

تقريب وجهات النظر, وشحْذ النفوس بهذا الاتجاه من ناحية أخرى,كما سعوا على المستوى العملي الى

تطبيق ذلك, فترى السيد السيستاني حين يُسأل: كيف تكون المعاملة مع الأخوة المسلمين من أبناء

المذاهب الإسلامية الأخرى يجيب بصريح القول:(( بالمداراة وحفظ الأخوة الإسلامية ومصالح المسلمين

العليا )) ،انطلاقا من التقية المداراتية التي دأب فقهاء الإمامية على سلوكها مع أبناء المذاهب

الإسلامية الأخرى،بناء على ما ورد في صحيحة هشام بن الحكم قال:((سمعت أبا عبدالله(عليه السلام)

يقول:إياكم أن تعملوا عملا نُعيّر به،فإن ولد السوء يعير والده،كونوا لمن انقطعتم إليه زينا ولا تكونوا

علينا شينا ،صلّوا في عشائرهم وعودوا مرضاهم واشهدوا جنائزهم )) ،وقد جوّز السيد بهذا الصدد

السجود على ما لا يصح السجود عليه سواء في المسجد الحرام،أو المسجد النبوي،أو غيرهما.

    والواقع إن التاريخ الفكري لعلماء الإمامية يجسد - على مر العصور والدهور – موقفاً موّحداً اتجاه

النعرات الطائفية , وطالما كان هذا الموقف هو الحـــــــــجر الأساس في المنظومة الثقافية والفكرية

والسياسية للتشيع, على الرغم من أن المتضرر الأول من نتائج تلك النعرات – غالباً – هو الوجود

الشيعي بكل أفراده,بغيتهم في ذلك الإقتداء بسيرة أهل البيت (عليهم السلام) في مواجهة خطر التكفير –

منذ أن انطلق من معسكر الخوارج الذين حاربهم أمير المؤمنين (عليه السلام), والى يومنا هذا – من

خلال تجسيد مفهوم الوحدة بكل قوة شعاراً وشعوراً, وسلوكاً مميزاً, وأصّلوه وعمّقوه بسيرتهم رغم كل

الانحرافات التي طالت الأمة, وراحوا يتفنّنون في بلوغ تلك الغاية, رغم كل الإقصاءات, التي نالتهم,

وحرمتهم ما يستحقون, فوضعوا الأسس الأولى لـ(لفقه الوفاق), لغرض رأب الصدع ورتق

الفتق,وانصبت همتهم نحو ذلك, ومما يترجم ذلك بصورة جلية, هو مؤتمرات التلاقح الفكري, والتجاذب

العقيدي, في باكستان ومصر والعراق, المعقودة في خمسينيات القرن المنصرم, والتي تناغمت فيما

بينها, لتطويق سبل الاختلاف بين المسلمين,وكلما كان الخطب أمضى ــــ وبانت بوادر خطر التشضي

على الموروث الإسلامي أصولاً وعقائداً, بسبب دعوات التكفير المحمومة ــــ كلما ابتدع الفكر الفقهي

الإمامي آليات رصينة, لردع هذا الخطر وصدّه,وربما استدعى التحرك – في هذا الاتجاه – الى تجاوز

مرحلة التنظير, وانتهاج سبل جديدة تتناسب وجسامة الإشكاليات الناتجة عن الرؤى التكفيرية, كما هو

الحال بالنسبة للوضع العراقي الراهن, حيث تحرك السيد السيستاني, وتعامل ميدانياً مع أبعاد المخطط

الطائفي, الذي أُريد تنفيذه في العراق من خلال زرع بذور الفتنة الطائفية وسلْب العراق حقه في السلام

والاستقرار , حين مضى زعماء خلايا الدم من التكفيريين الدواعش والبعثيين, في إشاعة الرعب وإثارة

التفرقة بين صفوف العراقيين, من خلال الهجوم على الآمنين واحتلال ديارهم وقتلهم وتهجيرهم ليودعوا

كل ما لديهم من مكر ولؤم وحقد,غير أن ذلك لم يكن مانعا لعلماء النجف الأشرف بتوجيه خطاب الدين

والعقل لغرض التذكير, مثل قول النبي (ص): (( ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم

حرام ...الخ )), وقوله (ص): ((من شهد أن لا إله إلا الله وان محمداً رسول الله فقد حقن ماله ودمه ...الخ )) .

       إن القدرة العلمية للمرجعية ما فتئت تتجلى بوضوح من خلال معالجة أبعاد هذا الملف الشائك

والمعقّد بحكمة عالية, فكانت في قلب الحدث السياسي, وتلاءمت مواقفها – تماماً – مع خطورة المر

حلة, فعمدت – ابتداءاً – على أن تنأى بنفسها في أن تتحول الى ردة فعل, مع ما كانت تلاقيه الطائفة

الشيعية, من الإبادة الجماعية المنظمة, ثم تبلورت مواقفها باتجاه توحيد الخطاب الديني بنبْذ العنف,

وتوحيد الصف, وضبْط النفس, ومواجهة جاهليات موغلة في استئصال الإنسان وحريته.

     والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين المعصومين

       والواقع أن خيار التسامح الذي انتهجه مراجع الإمامية ـ في التعاطي مع المسائل الإجتماعية

والاحترابات المذهبية والطائفية والسياسية ــ ساهم بشكل كبير في قراءة الملف العراقي المعقّد والشائك

قراءة واقعية وصائبة.

د.محمد حسين عبود  

معاون العميد للشؤون العلمية