((وقفة مع الأدلة الشرعية لزيارة القبور))

 

     يلمس المتتبع لجانب من المطارحات العقائدية التي تتعلق ــ لاسيما تلك التي تتعلق بزيارة القبورــ بعض الإشكاليات

الجدلية بين بعض فرق المسلمين التي غلب عليها طابع التطرف الذي كان نتيجة طبيعية لتعلقها بظاهر النص

فحسب ,ولإيمانها ببعض الكتاب وكفرانها ببعض ,وإلا فإن الحجج والدلائل من الكتاب والسنة ــ والتي لا يسع المقام

للإحاطة بها جميعا ــ تؤكد وبصريح القول على مشروعية,بل على مرجوحية زيارة القبور ,سواء على الصعيد العقائدي

أو على الصعيد الفقهي, فالقرآن يخبرنا عن أصحاب الكهف بعد أعثر عليهم ربهم ليضرب بهم مثلا ويؤكد للناس أنهم

مؤمنون, وأن الله جعلهم آية من آياته ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة آتية لاريب فيها, حيث يقول سبحانه حكاية

عن الذين غلبوا على أمرهم:((قال الذين غلبوا على أمرهم))وهم المؤمنون المسلمون(( لنتخذن عليهم مسجدا)),وألفاظ

الآية ٍتُعرب بوضوح ــ ومن غير تكلف ــ على أن الدين الغالب آنذاك إنما هد دين الإيمان والإسلام بدليل إصرار الذين

غلبوا على أمرهم على بناء المسجد عليهم ولفظ المسجد في العرف القرآني إنما دار عبادة الموحدين والمسلمين, والقرآن ملئ

بالآيات التي تدلل على التلازم العقلي والفظي بين المسجد وبين المراد منه وهو السجود له سبحانه, لذا فقد مر الخطاب

القرآني على هذا الفعل غير مادح ولا قادح, وهو مما يؤكد إقراره وموافقته عليه, بل ودعوته للإقتداء به, وفي آية أخرى

يقول سبحانه مخاطبا نبيه(صلى الله عليه وآله)وموجها له بخصوص التعامل مع موتى المنافقين:((ولا تصل على أحد منهم

مات أبدا ولا تقم على قبره)),ويمكن القول أن في الآية دلالتان تكشف الأولى: عن أهمية صلاة النبي على الميت

ودورها في التفريج والتخفيف عنه من هول القبر, وإلا لما نهاه المولى سبحانه عن الصلاة على المنافقين, لأنها

ستكون من مضان الرحمة التي ستكون في غير أهلها ومستحقيها وهم المنافقون, فيما تكشف الدلالة الثانية: عن

استحباب صرف فعل الصلاة من قبل النبي(صلى الله عليه وآله),ووضعها في محلها المطلوب وهم المؤمنون ؛لأنهم

الأولى بالإنتفاع بصلاة النبي بعد موتهم, إذ لا يستوي المؤمنون والمنافقون بحال من الأحوال.

وقد كشفت السنة المطهرة عن بعض تلك النماذج التي حضيت بهذا اللطف النبوي حيث يروي المحدثون أنه لما ماتت

السيدة فاطمة بنت أسد(رض)والدة أمير المؤمنين(عليه السلام)سكب رسول الله(صلى الله عليه وآله) ماء الكافور عليها

بيده, ثم خلع قميصه وكفنها به, ولما بلغوا اللحد حفره رسول الله بيده, فلما فرغ دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله)

واضطجع فيه ودعا لها, وفعل ذات الأمر مع فاطمة زوجة علي بن أبي طالب(عليه السلام), ويكفينا في الختام قوله (صلى

الله عليه وآله:((إني كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة)),ولايخفى ما في قوله(فزوروها)) من

أمر

واضح دال على وجوب زيارة مطلق القبور لأخذ العضة والعبرة, فما بالك إذا كانت تلك القبور مراقد من أذهب الله عنهم

الرجس وطهرهم تطهيرا, ومن سار على سمتهم من أصحابهم ومن العلماء والصلحاء والأولياء, وما قولك إذا كانت

زيارتهم ليس للإعتبار فحسب, بل لتجديد الولاء بالله وبرسول الله وأهل بيته (عليهم السلام), بالتالي لا يمكن الخروج

من دائرة المشروعية الفقهية في جواز زيارة القبور مطلقا ,وزيارة قبور أهل البيت(عليهم السلام)على الخصوص,وقد

تظافرت الروايات من الفريقين الدالة على استحباب زيارة الرسول(صلى الله عليه وآله)والأئمة من ولده(عليهم

السلام),فقد أورد الدار قطني(ت358هـ)في سننه ,وغيره ما يؤيد هذا المعنى, إذ يروي عن حاطب قال: قال: رسول الله

(ص) :((من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي)),بل روى الطبراني في معجمه الأوسط(ت360هـ)عن عبدالله بن

عمر عن الرسول(ص)أنه قال:((من زارني في المنام فكأنما زارني في اليقظة)),أما الروايات التي تؤكد استحباب زيارة

أمير المؤمنين وسيد الشهداء(عليهما السلام)فهي لا تعد كثرة ولا تُحصى عددا, لعل منها: ((أن من زار أمير المؤمنين

(عليه السلام)كان له الجنة)),ورُوي ((أن من زار الحسين(عليه السلام)مُحّصت ذنوبه كما يُمّحص الثوب في الماء,

ويُكتب له بكل خطوة حجة, وكلما رفع قدمه عمرة)),ورُوي عن الإمام الرضا(عليه السلام)قوله:((من زار الحسين بن

علي(عليهما السلام)عارفا بحقه كان من محدثي الله تعالى فوق عرشه, ثم قرأ((إن المتقين في جنات ونهر في مقعد

صدق عند مليك مقتدر)),أو قول الإمام الباقر(عليه السلا):(( من زار الحسين في ليلة النصف من شعبان غُفرت له

ذنوبه, ولم يُكتب علي سيئة في سنته حتى تحول عليه السنة, فإن زار في السنة المستقبلة غُفرت له ذنوبه)),وكذلك ما

ورد عن الإمام الرضا(عليه السلام)قوله: من زارني على بعد داري أتيته في ثلاث مواطن حتى أُخلصه من أهوالها إذا

تطايرت الكتب يمينا وشمالا, وعند الصراط, وعند الميزان)),ولا يخفى ما في الوعد الذي قطعه الأمام الرضا(عليه السلام)

لزائره بتخليصه من أشد أهوال الآخرة ــ وهو الصادق الصدوق ــ من ترغيب مرّكز في زيارة قبره الشريف, بل وتحفيز على

زيارة قبور سائر أئمة الهدى(عليهم السلام)؛ لنوال ذات المطلب ؛لأنهم جميعا أبواب رحمة الله ورضوانه.

والواقع إن الأئمة(عليهم السلام) مضافا لحثهم المتكرر على زيارة قبورهم الطاهرة ,فقد وضعوا سنن وآداب وتعاليم فقهية

وأخلاقية واجتماعية أرادو من خلالها إبراز الوجه المشرق للشيعة والتشيع ,وإيصال الرسالة السماوية من خلالها الى كل

الأجيال التي فاتها أن تكون حاضرة في ساحة المعصوم(عليه السلام), ثم أن سنن الزيارات تبعث في النفوس أسباب

التعلق بالله, وتستنقذها من براثن البعد عن ملكوته سبحان بما تحتوي في طياتها من أنواع الأدعية العرفانية والروحية

التي لايمكن عدها إلا دواء ناجحا لكل العاهات الآهات التي اضطرمت بها النفس البشرية, وقد تكفلت طائفة واسعة من

كتب الزيارات المروية بأسانيد معتبرة بيان كل ذلك وبتفاصيل غزيرة تغطي حاجة الفرد المسلم.