تَمظهُر الخصِيصَة الإبستمولوجيَّة في تَرشِيد الأنطولوجيا الشِّعريَّة من الانشطار المعرفي إلى فضاء الكينونة الجديدة

الطالب: زكريا يحيى محمدعلي / قسم اللغة العربية (مسابقة افضل مقالة)

إنَّ انعطاف الفكر الشعري العربي الحديث لم يكن مجرد تحوّل ميثاقي في سياقات المرجعية البيانية، بل كان زلزالاً معرفياً أطاح بمنطق المحاكاة ووظيفية الغرض، ليؤسس أنطولوجيا جديدة تتجاوز الموروث وتعيد تعريف الكينونة الشعرية. لقد شكّلت الخصيصة الإبستمولوجية، المتولّدة من تنازع التيارات النقدية بين الديوانيين والمحافظين، المحرّك الأول الذي أحدث تصدّعاً قيمياً في مفهوم الشعر، فحوّله من زخرفٍ بياني إلى فضاء وجودي يعبّر عن الذات في قلقها، وعن العالم في انكساره.

 قلق الماهية: الانشطار الإبستمولوجي

الخصيصة الإبستمولوجية تجسّدت في وعيٍ مغاير لوظيفة الشعر ورسالته، صاغه جيل الديوان (العقاد، شكري، المازني) ثم عمّقته جماعة أبولو، مفارقين بذلك حدود الإحياء التقليدي. هذا الوعي لم يكن تقليداً إمضائياً، بل كان تفاعلاً ديالكتيكياً بين:

– الاستدخال النقدي الأوروبي: بدأ مع تنظير الديوان الذي استوحى النقد الإنكليزي، ثم تعمّق عند أبولو عبر تشرب المذهب الرومانتيكي والرمزي، مستفيدين من الترجمة والبعثات، كإقامة أبي شادي وناجي في إنكلترا. هذا التشرب لم يكن زخرفاً، بل معولاً إبستمولوجياً يهدم القديم ويزرع بذور الجديد. 

– الضرورة الوجودية: الواقع المأزوم في مصر (الاستعمار، تعطيل الدستور، الاضطهاد) أفرز فلسفة سلبية متشائمة، دفعت الذات إلى الانطواء، فغدت القصيدة مرآة دامعة تعكس هشاشة الروح، ونافذةً يطلّ منها الشاعر على الطبيعة والمرأة والفلسفة، باحثاً عن عالمٍ تتسامى فيه القيم وتسود الفضائل.

هيمنة الإبستمولوجيا: صَفْرَنَة المفهوم القديم

لقد تجلّت سلطة الخصيصة الإبستمولوجية في نفيها القاطع لمنطلقات الإحياء، إذ تمّت صفْرنة المعنى الكلاسي والموضوعات الاعتيادية التي لم تلتحق بركب الحياة الجديدة. هذه الصفْرنة المعرفية أتاحت للشعراء الرومانسيين – لا سيما أبولو – مجالاً لتضخيم الذات والتفجير الوجداني، محرّرين القصيدة من أسر السطحية والاستهلاكية الموضوعية. 

هذا التحرير لم يكن ليتم لولا تأصيل مفاهيم مثل: 

– الشعر كتجسيد للعواطف الإنسانية في معناها الكوني. 

– التأمل الفلسفي كغورٍ في الأعماق بحثاً عن حقيقة الحياة والموت. 

وهكذا انزاح الخطاب نحو التيار الوجداني الذاتي والتأمل المتمرّد، مجسّداً حالة “مرض العصر” كنتيجة للانسحاب الإبستمولوجي من المواجهة الواقعية إلى الحلم المتألم.

قانون البنية: الأنطولوجيا المتكوّنة

الأثر الإبستمولوجي لم يقف عند حدود المضمون، بل أعاد إنتاج الكينونة الشعرية نفسها، فكان بمثابة معمل وجودي يعيد تشكيل اللغة والإيقاع:

– تطويع الدال والمدلول (السيمانطيقا الأنطولوجية): لم يعد الشاعر مكتفياً بالدلالة السابقة، بل ابتكر ألفاظاً موحية وصوراً ظليلة (الأطياف، الشفق السحري، العطر المفضفض)، كأن الكلمة نفسها تتحوّل إلى كائن حيٍّ يتنفس من داخل التجربة. 

– تفكيك الوحدة الجزئية: الوحدة العضوية بلغت مقام الظاهرة الناضجة، فلم يعد البيت أو التفعيلة وحدة البناء، بل الصورة الحية المتكاملة، كجسدٍ ينبض بالحياة، محققاً بناءً داخلياً دقيقاً كما في مطولات الهمشري وطه. 

– تباين الأشكال العروضية (الميتاعروض): تحرر أبولو من القافية الرتيبة، ومزج البحور، والنظم في الشعر المرسل والمنثور، بل القصص الشعري والتمثيلي، كرقصٍ حرٍّ يكسر قيود الإيقاع الجامد، موسّعاً النطاق الموسيقي ليواكب تدفق الوجدان المتلاطم.

 الخاتمة: من الكم إلى الكيف

في المنظور الفلسفي، يمكن القول إن الخصيصة الإبستمولوجية حرّرت الإمكانية، فتجذّرت في البنية النفسية لجيل من الشعراء، وانصهرت في قالب الإبداع لتشكّل أنطولوجيا شعرية متحرّرة. لقد سجّل هذا التحوّل انتقالاً وجودياً للشعر العربي من حالة الكمّ إلى حالة الكيف، ومن المحاكاة إلى الخلق، ومن البيت المفرد إلى الصورة الكلية. 

وهكذا صار الشعر غابةً من المعاني: كل كلمة شجرة، كل صورة طائر، كل إيقاع نهرٌ يجري، ليجعل من الذات القلقة مركزاً أنطولوجياً جديداً، ومن الحزن والاغتراب مادةً لبناء عالمٍ بديل، يليق بالروح الباحثة عن الحرية والجمال.