
أ.م.د.تغريد عبد الأمير مرهون الخفاجي كلية العلوم الاسلامية / جامعة كربلاء
ظهر ذلك البريق اللامع في المدينة سنة83 للهجرة من سلالة الطهر والنبوة فالأب هو الامام الباقر عليه السلام نجي الرسول باقر العلم وإمام الحلم ، والأم جدها كان مخلصاً لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب وعلى ولايته وعهده وهي أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر فورثها ذلك الاخلاص فتميزت بالتقوى والورع .
وفضلا عن جماله ولمعان وجهه كأنه السراج كان الامام الصادق متميزا من بين أخوته بالعلم والتقوى والاخلاق الفاضلة من ألقابه الصادق والفاضل والطاهر والكافل و المنجي
حتى قال عنه أبوه الباقر يوما : (( من سعادة الرجل أن يكون له الولد يعرف فيه شبه خلقه وخلقه وشمائله , وإني لأعرف من ابني هذا شبه خلقي وخلقي وشمائلي ))
وفي هذا اشارة الى أن هذا الرجل مخصوص بالإمامة بعده دون غيره وهو أسلوب اتبعه الائمة لبيان أي من اولادهم أحق بالإمامة من بعدهم.
وهو اشارة لما سيقوم به هذا الامام من الدور الخطير والمهم في حياة الانسان فما تميز به هذا الامام الهمام قمين بهذا المدح الباقري من ذلك :
*العلم
كان الامام الصادق ومضةً للحق في ظلمات الأرض يحمل لمعانه وحدّة بريقه لكنه سريع الذهاب لم يشبع نهم الأمة لذلك المنهل الإلهي العذب فتمتاح منه ، ثبت الامام الصادق كما ابيه الباقر في ميدان المواجهة مع السلطة فقد سعى الأمويون ومن ورائهم العباسيون في القضاء على أهل البيت وملاحقة شيعتهم ومحاربة فكرهم وعقيدتهم ، فتصدى لذلك الامام وانصرف لنشر العلم واعداد القادة وتثبيت الايمان والعقيدة الحقة في قلوب الناس وفي عصره تصدى الامام – نتيجة الانفتاح والترجمات وكيد الحكام- الى العقائد المنحرفة ومحاربتها وبيان ضلالتها للناس فتأسست على يديه مجالس علمية عظيمة أشبه ما تكون بالجامعة حوت مختلف العلوم في علوم الدين والعلوم الطبيعية كالكيمياء والطب وضمت هذه المجالس العلمية أربعة آلاف عالم أخذوا منه ونهلوا من علمه كلهم يقولون حدثني جعفر بن محمد
فجابر بن حيان كان يبدأ مقالاته في علم الكيمياء بمقوله : (( حدثني جعفر بن محمد الصادق عليه السلام))ليكتب موسوعة علمية تحتوي على خلاصة ماوصل اليه علم الكيمياء عند العرب في عصره ويعد اول من وصف أعمال التقطير والتبلور والتذويب والتحويل
وقد ظهرت براعته في كتابه (السموم ودفع مضارها)
وتمتاز الكيمياء عنده بالميل الى الناحية التجريبية والابتعاد عن الخوارق
وللامام الصادق مشاركة فكرية في الرسائل التي كتبها لجابر ، وقد جمعت مؤلفات ابن حيان من قبل الباحث الفرنسي بيير لورمي في كتاب واحد سماه تدبير الاكسير الأعظم .
فاجتمع للإمام من العلم الجم ونقل الناس عنه ما سارت به الركبان وانتشر ذكره في البلدان ولم ينقل احدمن اهل بيته ما نُقل عنه كما عبر عن ذلك الشيخ المفيد في الارشاد فأسس بذلك مدرسة اسلامية منهجها القرآن وغايتها بناء الانسان بناءً عقائديا ومعرفيا سليما هذبت روحه وغذت فكره وجعلته مترفعا عن كل النزاعات الفكرية والصراعات السياسية والعصبيات القبلية والنظرات الفردية الخاصة .
*الاخلاق
كان الوجود المقدس للامام الصادق امتدادا لذلك المثال النوراني النبوي الذي يشع سناه بالاخلاق الفاضلة والشمائل العظيمة التي أثرت في نفوس الناس.
و فضلا عن عطائه وكرمه وصدقاته التي تجوب بالليل على بيوت المحتاجين كان عطر حلمه يفوح بالأرجاء فذات يوم وقع كلام بين الامام الصادق وعبد الله بن الحسن فاغلظ له القول ثم افترقا وذهبا الى المسجد وقال الامام له كيف امسيت ياأبا محمد ؟ فقال بخير بغضب
فقال الامام يا أبا محمد أما علمت أن صلة الرحم تخفف الحساب ؟ فقال : لا تزال تجيء بالشيء لا نعرفه فقال الامام : إني أتلو عليك به قرآنا ؟ …قال تعالى : (( والين يصلون ما أمر الله به ان يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب )) قال : فلا تراني بعدها قاطعا رحما
ومن ذلك التعريض بمن ينتسب اليهم ما ورد في ربيع الأبرار عن الشقراني مولى رسول الله صلى الله عليه وآله قائلا : خرج العطاء أيام المنصور ومالي من شفيع فوقفت على الباب متحيرا وإذا بجعفر بن محمد قد أقبل فذكرت له حاجتي فدخل وخرج وإذا بعطائي في كمه فناولني إياه وقال : إن الحسن من كل احد حسن وأنه منك أحسن لمكانك منا ، وإن القبح من كل احد قبيح وأنه منك أقبح لمكانك منا
وكان يعطي الأموال للاصلاح بين الناس مما له عظيم الاثر في نفوسهم ووأد للفتن فيما بين الناس ليكونوا متعاونين ومتماسكين كالجسد الواحد قال المفضل : الإمام الصادق أودعني مالا وامرني إذا تشاجر رجلان في شيء أن أصلح بينهما وأفتديهما بماله ))
فكان يصنع القادة ويربيهم لانهم يمتلك عبقرية العلم وعبقرية الاخلاق
* العاطفة الداعمة
إن وهج العاطفة امتد ذلك الوميض باللمعان و الدفئ فأحيط الامام بثلة من النساء المؤمنات التي أسهمن في دعم المسيرة الصادقية لنهضة دين النبي محمد صلى الله عليه وآله من جديد منهن:
أمه ام فروة بنت القاسم بن أبي محمد
وسعيدة مولاة الامام الصادق محدثة إمامية حسنة الحديث فاضلة ممدوحة حدث عنها الامام الرضا عليه السلام
نفيسة بنت الحسن كنته زوجة ابنه اسحاق المؤتمن كانت من سيدات العلم حتى لقبت بـ ( نفيسة العلم ) ومن الصالحات العابدات قيل لها أما ترفقين بنفسك قالت : كيف أرفق بنفسي وامامي عقبات لا يقطعها إلا الفائزون .
زوجته حميدة بنت صاعد الاندلسية ام الإمام الكاظم عليه السلام ولها منزلتها عند الناس لورعها وتقواها وحكمتها وسميت بحميدة المصفاة لقول الامام عنها : (( حميدة مصفاة من الادناس كسبيكة الذهب ))
وهي أحد الذين اوصى الامام لهم مآل الامر وهم عبد الله الافطح وموسى الكاظم اولاده وحميدة زوجته ومحمد بن سليمان وأبو جعفر المنصور
*الحوار والاسلوب المهذب
كان يجلس للحوار مع المخالفين وأكثرهم التزم طريق الالحاد منهجا كان الامام يجلس ويحاورهم بعقل مفتوح وصدر يتسع الجميع وحواراته مع ابن ابي العوجاء دليل على ذلك ذكر ذلك المفيد في الإرشاد .
وكان يحزن عندما يرى الضالين وهم يحاولون النيل من الدين وزعزعة عقائد الناس
في احد الايام اجتمع أربعة من الهؤلاء الضالين في مكة وأخذوا بالسخرية من أعمال الحجاج ثم اتفقوا على كتابة كتاب يشبه القرآن بهدف نقض ذلك الكتاب المقدس فتعهد كل واحد منهم بربع القرآن وقالوا: ميعادنا العام القادم
ومر عام واجتمعوا مرةأخرى قال الاول : قضيت العام كله افكر في هذه الاية : (( فلما استيأسوا خلصوا نجيا ))وقد حيرتني فصاحتها وبلاغتها
قال الثاني : فكرت في هذه الاية : (( ياأيها الناس ضرب لكم مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولوا اجتمعوا له)) فلم أقدر ان آتي بها
وقال الثالث : وأنا فكرت في هذه الآية : (( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ))فام استطع ان آتي بها .
وقال الرابع : إنه ليس من صنع البشر لقد قضيت العام كله افكر في هذه الاية : (( وقيل ياأرض ابلعي ماءك ويا سمل اقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين )) ومر بهم الامام الصادق فنظر إليهم وتلا قول الله عزوجل : (( لئن اجتمعت الانس والجن على ان يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ))
وكان الامام يعلم اصحابه منطق الحوار والدفع بالتي هي أحسن
والمسلمون في عصر الصادق لا يخاف بعضهم بعضا فاذاطان هناك رأي مخالف فإن الام يصارحه ويناقشه به ، مشكلة الام كانت مع السلطة التي تتوشح بالإسلام وتضمر الخبث والانحراف
مماحدا بالامام الصادق أن يتخذ موقفه الثبات في مواجهة السلطة
في أحد الايام استدعى المنصور الإمام وقال له : لم لاتزورنا كما يزورنا الناس ؟
أجاب الامام : ليس لنا من امر الدنيا مانخافك عليه ، وليس لنا من أمر الاخرة ما نرجوه منك ، ولا انت في نعمة فنهنئك بها ولا في نقمة فنعزيك .
فقال المنصور : تصحبنا لتنصحنا فاجابه الامام : من اراد الدنيا لا ينصحك ومن أراد الاخرة لايصحبك .
فلم يتحمل المنصور وجود الامام فأمر بقطع ذلك الفرع المثمر ذو الأرومة الزكية فدس اليه السم واستشهد سنة 148للهجرة تاركا أرثا خالدا زاخرا بالعلم والمعرفة والدين
من حكمه
- (( إن المؤمن أخو المؤمن عينه ودليله لا يخونه ولا يظلمه ولا يغشه ولا يعده عدة فيخلفه))
- (( اطلبوا العلم ولو بخوض اللجج وشق المهج ))
- (( داووا مرضاكم بالصدقة وادفعوا البلاء بالدعاء ))
- (( ثلاثة تدل على كرم المرء حسن الخلق وكظم الغيظ وغض البصر ))
- (( أصل الرجل عقله وحسبه دينه وكرمه تقواه ))
مصادر المقال
- الامام الصادق عطر النبوة ومنهج حياة ، د. حسين ابراهيم الحاج حسن، دار المرتضى ، بيروت ، ط2، 2007
- درر البحار في سيرة النبي وآله الأطهار ، عباس حسن الموسوي (كمال السيد) ، مؤسسة انصاريان قم ، ط2، 2009.
- موقع بينات على الانترنت
- أصول الكافي ، الشيخ الكليني


