
بقلم الدكتور ميثم رشيد حميد – كلية العلوم الاسلامية – جامعة كربلاء
صار من المألوف، والمألوف في عادتنا؛ أن نتحدث عن التاريخ بطريقة الأقلام المضللة، حتى أصبح كل ما يخرج عن ذلك، أمراً غير مالوف. فمن هذا، أو قريب منه، أن تبعد العربية من الدرس اللساني المعاصر؛ لأن المجتهد الاوربي أتى على نهايات هذا العلم، ولم يكن للعربية حضور فيه. ولاننا مغيّبون عن هذا الواقع العلمي، تركض في أذهاننا مسلمات البحث التي أوجدها المستشرق الغربي، ويحدث ذلك بطريقة أو أخرى، فديمومة إنعاش هذا الوجود الفعلي للعرب في المنطقة، لم يعد مهماً، منذ أن سميت المنطقة بالشرق الاوسط. ومع أن المجتمعات ككل تعيش اليوم أزمة التبعية للغرب، فإن العربية لا تنساق بسهولة وراءها، فهي تبدو متماسكة في هويتها ووجودها وديمومتها. ونلمح منها ملاذاً آمناً لِلمِّ ما تبقى من الوجود العربي في المنطقة.
وفي التاريخ كما في الحاضر لم تسلم العربية من تزييف تاريخها، أو تقليص امتدادها العلمي والاجتماعي. وإذا كنا نبحث عن مسلمات تعيد لها بريقها؛ فإن أقربها إلى الأذهان هي محاولة أن نعثر على حقيقة تجتمع عليها لغات العالم كلها من دون استثناء. وهنا يلمع اسم تشومسكي، الذي أراح الأقلام من عناء جمع المتفرقات المتناثرة هنا وهناك. وترك لنا فرصة معيارية نقيس منها محورية العربية، في منطقة الحضارة الأولى؛ وذلك بأن نفترض أن الوجود الأول للغة الإنسانية، ليس بعيداً عن العربية. ولكن الإنصاف لهذا الرأي، لم يكتب له أن يزدهر؛ فاتخذت بعض الأقلام قرارها: بأن اللغويين يحصلون على أحكام قبول اجتماعية، وليس على بيانات استنباطية تتيح لهم الوصول المباشر إلى البنى العقلية للمتحدثين، أو للغات الانام ككل[i]. وبهذا القرار عدنا إلى البداية، فمن يفترش أرضاً، فله أن ينبت فيها هياكل تناسبه، والأسرع في ذلك هو من يقرر ألوان الحياة عليها. وأما المتأخر فله أن ينتظر هفوات المسرعين.
هذا المنطق الغريب عن مبادئ النحو الكلي، هو الذي جعل من تشومسكي حركة طارئة في تاريخ اللغة. وهو المنطق نفسه الذي جعل العربية، من قبل في تاريخ اللغات السامية، لغة مستحدثة، ومستهجنة في وجودها. فمن مثّلوا هذا المنطق حرصوا على إبعاد الانظار، أوالتفكير في جعل العربية واسطة لاكتشاف قوانين عامة، تربط اللغات السامية كلها. بل هم حذرون من كشف أبسط الحقائق التي ثبت عليها التاريخ، وهي: أن المنطقة العربية قد امتدت إلى مساحة واسعة، ومؤثرة في مهد اللغات القديمة. وبقي هذا الامتداد إلى ما قبل الميلاد، فذكر (بليني) في كتابه (التاريخ الطبيعي) أن جزيرة العرب، قد بلغ محيطها: (4666) أربعة آلاف وستمئة وستة وستين ميلا، وهذه المساحة تمتد من عمان واليمن إلى كاركاس في تركيا المعاصرة[ii]
في مدارسنا المعاصرة، اتسع نقد الاستشراق، ولكنه لم يزحزح مفاهيمه التي يتتلمذ عليها أبناء العربية. فلم ننجح أن نقدّم كتاباً يخطط لمفاهيم مضادة، تبصّرنا بالحقيقة المجهولة التي تخفيها، عن غير قصد، أقلامنا ذاتها. فيمكننا أن نتساءل: لماذا لم يُترك مجال واضح لكتاب: محمد بهجت قبيسي: (ملامح في فقه اللهجات العربيات)[iii] ليخطط منهجاً موحداً لدرس فقه اللغة العربية في جامعاتنا؟ لنضع إجابة مما تركه لنا قبيسي نفسه، فهو يقول: لم تكن زحمة اللعنة على المنطقة العربية جديدة، فابن منظور يقول في لسانه الشهير: لقد صار النطق بالعربية (العدنانية) من المعايب معدوداً. وإذا كانت شكوى ابن منظور في وقت قريب من تزعّم العربية حركة التدوين المعرفي في العالم بأسره، فكيف ستكون حالها اليوم، وقد أجمع عليها الأمرُ والشركاء؟.
ورد ذكر العرب في نقش يذكر فيه سرجون (شارو _ كين) في حملته على الجزيرة العربية مع حفيده (نارام سين) في نهاية الألف الثالث قبل الميلاد: وقاتل قبائل عربية ذكرت في الآثار البابلية باسم (عرب ملوكا، وعرب مجان أو معان، أو مكّان). يقول قبيسي: وحيث لم يستطع المؤرخون تحديد مكان (مجّان) نقترح نحن تحديدها في مكّة _ مكّا، مثل أرما + ان (أرمان) وهي حلب بلد الآراميين. ومع هذا الدليل القاطع نجد مدارسنا تحتفل بنقش امريء القيس الذي يعود إلى 329 م، وتتخذه أساساً في تحديد تاريخ العرب، والنقش يماثل في كتابته حرف الجزم (العربي) الذي دوّنت به المعلقات والقرآن الكريم.
يقف قبيسي على كلمات النقش، ويرى أن امرأ القيس هو آرامي اللهجة، وليس عدناني اللهجة؛ فيسلم بحقيقة أن الآرامية هي لهجة عربية. ودليله على ذلك أن نحو الجملة ورد على النحو الآتي:
ملك العرب كله
وهو ما شاع في النقوش الآرامية، وهذا التركيب يخالف اللهجة العدنانية التي تستعمل (كل) في غير التوكيد من نحو:
ملك كل العرب.
ويخلص قبيسي إلى أن كلا اللهجتين عربيتان، ولا مسوّغ لافتراض أن الآرامية لغة قائمة بذاتها، هذا إذا لم تكن الآرامية هي نفسها المنسوبة في القرآن الكريم إلى (إرم) – كما يقول صاحب كتاب: التاريخ لم يبدأ في بابل[iv]. – في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (*) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (*) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ) الفجر 6-8. وجرت قراءة الهمزة بالمد المفتوح. ونعود إلى قبيسي يقول: ترسخت القناعة لدى الباحث أن هذه المسميات للهجات من أكدية بفرعيها البابلي، والآشوري، وإيلائية، وكنعانية، وآرامية، وكلدانية، ونبطية، وعدنانية، ومصرية، وسريانية، وثمودية، ولحيانية، وصفائية، وسبئية (قحطانية) وحبشية، بربرية؛ ما هي إلا لغة واحدة، إنما بأنماط كتابات مختلفة؛ مما سهّل دراستها جميعاً بفكر لغوي واحد” [v]
وهنا عدنا إلى ما انطلقنا منه وهي بداية لم تتحقق بعد في الدرس العربي المعاصر. أن ننطلق من فكر لغوي واحد يرمم ما هدّمه المستشرقون الذين جعلوا البداية من العبرية، والعبرية في حقيقتها لهجة عربية. فعلينا أن نقطع الطريق على المشهور من قراءة التاريخ، وندخل قراءتنا العربية له؛ فتصبح القراءات ثلاث قراءات على النحو الآتي:
1- القراءة العربية التي تعيد التفكير اللغوي على أسس بناء الكلمة: صوتياً، ومعجمياً، وصرفياً، ونحوياً، ودلالياً.
2- القراءة الإغريقية التي دوّن فيها معظم ما كتب في اللغات القديمة، وميوله معروفة.
3- القراءة التوراتية الصهيونية، وهي القراءة السائدة، وتعدّ السردية المهيمنة على حركة التاريخ.
وباقتراح القراءة الأولى، نكون قد دخلنا بمنهج علمي يحسم كثيراً من نقاط الجدل، فالمراحل والأطوار اللغوية، وسيلة مقنعة لمراقبة حركة التاريخ، وتقسيمها إلى مراحل هو من ضرورات المنهج الذي يمكنه بسهولة، أن يعيد تفسير حركة الحضارة. وتجربة الأستاذ سعيد الغانمي في كتابه ينابيع اللغة الأولى[vi]، تعدُّ مثالاً جيداً لرصد حركة التاريخ اللغوي والحضاري معاً في حقبة ما قبل الإسلام. وهذا المُؤلَّف فتح الباب واسعا لتقسيم مراحل المنطقة التاريخية في ضوء هذه الرؤية. وما ينقص المكتبة العالمية، قراءة متعمقة لمرحلة ما قبل الأكدية، ثم الأكدية، وبعدها الآرامية، ثم حقبة الميلاد، وصولاً لما قبل الإسلام. وكل هذه المراحل لها خط متصل قائم على العربية. ولنا أن نخمّن كم كمنزلٍ نزلت به عربيتنا، ومن هو الذي أنزلها ليجعل التاريخ الإنساني تاريخها؟.
[i]Some remarks on goals and achievements of theoretical linguistics Martin Haspelmath Max Planck Institute for Evolutionary Anthropology, Leipzig, Germany. Italian Journal of Linguistics. 2025.
[ii] The natural history of PLINY. Translated, by the late: John Bostock, M.D., F.R.S., and, H. T. Riley, -Esq., B.A., Cambridge, vol. II. Henry G. Bohn, London. P. 88.
[iii] ملامح في فقه اللهجات العربيات، من الاكدية والكنعانية وحتى السبئية والعدنانية: د. محمد بهجت قبيسي، ط1، شمال للطباعة والنشر، دمشق. 2001.
[iv] التاريخ لم يبدأ في سومر: فايد العليوي، دار كلمات للنشر والتوزيع، 2025.
[v] ملامح في فقه اللهجات: قبيسي: 77- 78.
[vi] ينابيع اللغة الاولى، مقدمة إلى الأدب العربي منذ أقدم عصوره حتى حقبة الحيرة التأسيسية: سعيد الغانمي ، ط1 ، أبو ظبي: هيأة أبو ظبي للثقافة والتراث، المجمع الثقافي، 2009م.


